السبت , ديسمبر 7 2019
الرئيسية / منوعات / جهاز متطور لعلاج الدماغ بالعقاقير الطبية

جهاز متطور لعلاج الدماغ بالعقاقير الطبية

لطالما شكّل الحاجز الدموي الدماغي عائقًا كبيرًا، يمنع وصول الكثير من العلاجات الطبية إلى خلايا المخ، بفضل الخلايا المتراصّة بإحكام التي يصعب اختراقها، وذلك لمنع اختراق المواد الكيميائية الضارة والبكتيريا لمركز التحكم الأهم في الجسم البشري.

ويمنع هذا الحصن المنيع -بتركيبته الفسيولوجية التي تولد مع الإنسان- وصول ما يقرب من 95% من الأدوية التي تُعطَى عن طريق الفم أو الوريد، وهو ما يفسر صعوبة علاج الأمراض العصبية التنكسية، مثل مرض باركنسون أو الشلل الرعاش، ولجوء أطباء الأعصاب إلى خيارات علاجية، منها حَقن الأدوية مباشرةً في الدماغ، وهو ما قد يتطلب ثَقب الجمجمة.

في اختراق علمي، قد يحل هذه المعضلة، ويُحدِث ثورة في عالم الصيدلة وعلاج الأمراض العصبية، تمكَّن فريق من العلماء في كوريا والولايات المتحدة من ابتكار أول جهاز يمكنه توصيل كلٍّ من جرعات الأدوية والضوء لاسلكيًّا إلى المخ، وعلى مدار فترات زمنية طويلة. الجهاز الجديد الذي جرت تجربته على الفئران، يمكنه التحكم في الدوائر العصبية في المخ باستخدام مسبار بحجم شعرة الرأس، يتم زرعه في الدماغ، ويتم التحكم فيه لاسلكيًّا بواسطة الهواتف الذكية عبر تقنية “بلوتوث” منخفضة الطاقة.

وكشف الباحثون -في دراستهم المنشورة في دورية “نيتشر بيوميديكال إنجينيرينج”- أن بإمكان الجهاز توصيل جرعات متعددة من الأدوية والعقاقير بشكل متزامن إلى الدماغ، ما يمكنه أن يسرِّع من جهود علاج أمراض الدماغ، مثل الشلل الرعاش وألزهايمر والإدمان والاكتئاب، ومراقبة فاعلية الأدوية الجديدة التي تستهدف الأمراض العصبية.

رازا قازي، الباحث في الهندسة الكهربائية، في المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا وجامعة كولورادو الأمريكية، وقائد فريق البحث، شرح -في حديث لـ”للعلم”- مكونات الجهاز الجديد، (كما هو موضح بالصورة الرئيسية للموضوع) الذي يتألف من جزأين: الأول يبقى خارج المخ، ويشمل بطاريات “ليثيوم بوليمر” قابلة لإعادة الشحن، لتشغيل وحدة بلوتوث، وهي شريحة ذكية تستقبل إشارةً لاسلكيةً من الهاتف الذكي، بالإضافة إلى خرطوشة دواء قابلة للاستبدال تحتوي على 4 خزانات للأدوية المختلفة، تشبه قطع لعبة “الليجو” الشهيرة، وذلك لسهولة استبدالها.

أما الجزء الثاني، فهو ذلك الجزء اللين والمرن، الذي يتم وضعه داخل الدماغ، وهو عبارة عن مسبار ناعم (سُمك الشعرة البشرية)، يتكون من قنوات ميكروفلويديك (توفر سيولةً وتدفقًا مستمرًّا) لتوصيل جرعات الأدوية المختلفة إلى أجزاء عميقة من الدماغ، بالإضافة إلى مصابيح ليد LED صغيرة (أصغر من حبة الملح)، من أجل توصيل الضوء إلى خلايا الدماغ، ويتم التحكم في هذا المسبار بالهاتف الذكي، ويمكن لعلماء الأعصاب أن يطلقوا بسهولة أي تركيبة دواء محددة، أو تسليط الضوء عن بُعد على الخلايا العصبية باستخدام الهاتف الذكي.

توصيل الأدوية لاسلكيًّا

ووفقًا لـ”قازي”، فإن هذه التكنولوجيا، تجعل من الأساليب التقليدية التي يستخدمها علماء الأعصاب شيئًا من الماضي؛ لأن التقنيات الحالية لتوصيل الأدوية والضوء إلى الخلايا العصبية الدماغية، تتطلب عادةً أنابيب معدنية صلبة وأليافًا بصرية، ما يحد من حركة الشخص بسبب ارتباط الجسم بالمعدات الضخمة، بالإضافة إلى تركيبتها الجامدة نسبيًّا التي تسبب آفةً في أنسجة المخ الرخوة بمرور الوقت، ما يجعلها غير مناسبة للزرع على المدى الطويل، بالإضافة إلى كفاءتها المحدودة بسبب عدم قدرتها على إيصال الأدوية لفترات طويلة من الزمن، بالإضافة إلى تجهيزات التحكم الضخمة والمعقدة، وهي المشكلة التي تَمكَّن الجهاز الحالي من حلها.

ولحل معضلة توصيل الأدوية لاسلكيًّا وبشكل مستمر، كان على علماء المعهد الكوري حل التحدي الحاسم المتمثل في استنفاد الأدوية وتبخرها، وتعاونوا في هذا الإطار مع جامعة واشنطن على ابتكار هذا الجهاز، الذي قد يسمح لعلماء الأعصاب بدراسة خلايا المخ لعدة أشهر دون قلق بشأن نفاد الأدوية.

وأوضح “قازي” أن الجهاز الجديد يعمل بكبسة زر من الهاتف الذكي، وبواسطة “بلوتوث” يستطيع العلماء ضخ جرعات متعددة من الأدوية -بالتزامُن مع الأطوال الموجية الخفيفة للضوء- إلى عمق الدماغ بدقة عالية للغاية.

وبفضل الجزء المرن لهذا الجهاز، يمكنه البقاء داخل المخ لفترات طويلة دون التسبُّب في استجابة ضارة للأنسجة؛ إذ تتفاعل الأدوية والفوتونات الضوئية المحددة عند إطلاقها مع الخلايا العصبية المستهدفة، إما عن طريق تنشيط أو إلغاء تنشيط مسارات معينة في خلايا الدماغ، اعتمادًا على نوع العقاقير/ الضوء والخلايا العصبية التي يتم العمل عليها، ومن خلال التحكم في هذه المسارات، يمكن لعلماء الأعصاب التحكم في سلوك الحيوانات وحركتها.

وعن أهمية النتائج لعلماء الأعصاب، قال إن الجهاز نجح في توصيل الأدوية والضوء لاسلكيًّا إلى مناطق عميقة من دماغ الفئران، على مدى فترات زمنية طويلة، وتم ذلك عبر 4 تجارب رئيسية، تمت على 4 فئران، وهذا يمكن أن يساعد علماء الأعصاب في دراسة المنطقة المراد دراستها بالمخ مرارًا وتكرارًا دون الحاجة إلى تغيير فئران التجارب أو حتى غرس الجهاز في مناطق أخرى من المخ، علاوةً على ذلك، يمكن الاستفادة من قدرة منصة بلوتوث القوية المتصلة بالهاتف الذكي على إجراء الدراسات السلوكية المعقدة وإعدادها، دون أي حاجة إلى معدات خارجية ضخمة باهظة الثمن، ويتم ذلك ببساطة بكبسة زر.

وبفضل هذا الجهاز -وفقًا لـ”قازي”- يمكن أن يتمكَّن علماء الأعصاب من دراسة المخ باستخدام مزيج قوي من الأدوية والضوء لفترات طويلة من الزمن، ما يعني أنه يمكنهم الآن دراسة الدوائر العصبية وعلاقتها بالشلل الرعاش أو الباركنسون، أو ألزهايمر مرارًا وتكرارًا، الشيء المميز في الموضوع، هو أن العلماء سيستطيعون عمل هذه التجارب على نحوٍ متزامن في حيوان واحد، وإذا فرغت جرعات الأدوية التي يختبرونها، فإنه يمكنهم استبدال عبوات أخرى بها بمنتهى السهولة، وهذا لم يكن متاحًا من قبل، إذ كانوا يُجرون عمليةً جراحيةً أخرى للفئران لوضع عبوات الأدوية في المخ، في المنطقة ذاتها المراد دراستها، ما ينطوي على أخطار إضافية.

ورأى أن مختبرات العلوم العصبية وشركات الأدوية ستتمكن في المستقبل القريب من إجراء تجارب علمية موثوقة وطويلة المدى للأدوية الجديدة، بكبسة زر واحدة، عبر تقنية “بلوتوث”، وهي غير مكلفة وسهلة الاستخدام، لتحديد فاعلية الأدوية والآثار الجانبية المحتملة، وبفضل خراطيش الأدوية القابلة للاستبدال يمكنهم تقليل المعدات ورأس المال وعدد الحيوانات اللازمة لاختبار جرعات كبيرة من العقاقير داخل مجموعات واحدة من الفئران.

ثورة في علم الصيدلة

من جانبه، اعتبر فراس قبيسي -الباحث بقسم الكيمياء الحيوية وعلم الوراثة الجزيئي بالجامعة الأمريكية في بيروت- أن نتائج الدراسة ستُحدث ثورةً في علم الصيدلة، وتوصيل العقاقير للدماغ، وستغير من طريقة علاج الأمراض النفسية والعصبية التنكسية، وربما تفتح المجال على مصراعيه أمام علاج تلك الأمراض العصيّة على العلاج منذ زمن طويل، بالإضافة إلى إمكانية علاج إصابات الدماغ الرضِّيَّة، ومرضى الاكتئاب والشيزوفرينيا.

وأضاف -في تصريحات لـ”للعلم”- أن الإعجاز الذي قام به العلماء يستعين بـ3 مجالات في آن واحد، هي الهندسة الكهربائية، وعلوم الأعصاب، بالإضافة إلى علم الصيدلة، ليصل في النهاية إلى إنجازين: الأول هو توصيل جرعات محددة من العقاقير إلى مناطق محددة في الدماغ بدقة متناهية، وفي أوقات محددة للغاية؛ إذ يمكن ضبط الجرعات وجدولتها والتحكم في إيقافها وتشغيلها بكبسة زر من الهواتف الذكية.

وأوضح أن ذلك يمكِّن الأطباء -على سبيل المثال- من إعطاء مريض انفصام الشخصية أو “الشيزوفرينيا”، ليس فقط جرعات صباحية ومسائية لمدة يوم أو يومين، بل جرعات محددة لمدة شهر كامل أو عدة أشهر، وبطريقة بسيطة وغير معقدة، وأضاف أن الإنجاز الأكبر هو أن الفئران التي تتلقى هذه الجرعات تتحرك بشكل طبيعي عند تلقِّي جرعات الأدوية، وهذا لم يكن ممكنًا في السابق.

ووفقًا لـ”قبيسي”، فإن هذه الآلية لتوصيل العقاقير إلى الدماغ تعظِّم الفائدة المرجوة من الأدوية، إذ تصل الجرعة كاملةً بنسبة 100% مباشرةً إلى المنطقة المراد علاجها في المخ، على عكس الطرق التقليدية التي يتناول فيها المرضى العلاج عبر الفم أو الحَقن، وتنتقل الجرعة إلى الدم، ومنها إلى الكبد، وبعد ذلك تصل منها كمية ضيئلة إلى الدماغ، ويمكن أن تصطدم بالحاجز الدموي الدماغي، الذي يمكن أن يَعوق وصولها إلى خلايا المخ.

أما الإنجاز الثاني للجهاز الجديد -وفق “قبيسي”- فإنه يتمثل في اعتماد الباحثين على الخلايا الضوئية لتوصيل جرعات معينة من الضوء إلى الخلايا العصبية بالدماغ، والتحكم فيها أيضًا عبر الهاتف الذكي، وهذه الخاصية لها استخدامات علاجية؛ إذ يمكن أن تفيد في إيقاف أو تشغيل جينات معينة بالدماغ، لإفراز بروتينات بعينها مثل “الدوبامين” على سبيل المثال، وهنا يمكن بسهولة تحفيز الدماغ لإفراز “الدوبامين”، وهي مادة كيميائية تتفاعل في الدماغ لتؤثر على كثير من الأحاسيس والسلوكيات بما في ذلك الانتباه، وذلك لعلاج الاكتئاب، ويكون ذلك بالتزامن مع إطلاق جرعات من العقاقير المحفزة لإفراز “الدوبامين” أيضًا، وبذلك يكون العلاج مزدوجًا عبر الضوء وجرعات الأدوية في آنٍ واحد.

وتوقع “قبيسي” أن تُستخدم هذه التقنية لعلاج جميع الأمراض التي تحتاج إلى عقاقير على فترات متزامنة وطويلة، مثل مريض باركنسون الذي يحتاج على سبيل المثال إلى جرعات من “الدوبامين” لمدة عام كامل، وتؤخذ هذه الجرعات عادةً عبر الحَقن، ما يؤرق المرضى كثيرًا، لكن بفضل هذا الجهاز الجديد، يمكن جدولة هذه الجرعات وتوصيلها إلى الدماغ بدقة زمنية متناهية، عبر شريحة تُزرع في الدماغ مرةً واحدة.

واتفق معه “محمد سلامة” -أستاذ علم السموم العصبية، ومدير مركز البحوث الطبية التجريبية بجامعة المنصورة- مؤكدًا أن نتائج الدراسة تُظهر تقدمًا كبيرًا في تطور تكنولوجيا توصيل الأدوية إلى الدماغ، بعد التوصُّل إلى هذا الجهاز الجديد.

وأضاف -في تصريحات لـ”للعلم”- أنه تم استخدام تقنيات تحفيز الدماغ في السابق للعديد من المرضى، مثل تقنية التحفيز العميق للدماغ (DBS) لمرضى الشلل الرعاش، لكن التقدُّم الذي أحرزه فريق البحث الجديد يتفوق على ما سبقه من تقنيات، في حجم الجهاز وسهولة الاستخدام، بالإضافة إلى الاستخدام المزدوج، الذي يتمثل في تحفيز المخ عبر الضوء، وتوصيل جرعات الأدوية إلى الدماغ في آنٍ واحد.

وأوضح “سلامة” أن هذه التقنية الجديدة ستساعد -عند المضي قدمًا في استخدامها وتجربتها على البشر- على توفير المزيد من الفرص لعلاج أمراض الجهاز العصبي المركزي المختلفة.

وتعتمد تقنية التحفيز العميق للدماغ (DBS) على التنبيه العميق للدماغ، عبر زرع مسارات كهربائية داخل مناطق معينة في المخ، تنتج نبضات كهربائية تنظم النبضات غير الطبيعية، أو يمكن أن تؤثر في خلايا ومواد كيميائية معينة في الدماغ.

ويتم التحكُّم في مقدار هذه النبضات باستخدام جهاز يشبه الناظمة القلبية، يوضع تحت الجلد أعلى الصدر، ويمتد سلك تحت الجلد ليوصل هذا الجهاز إلى المسارات الكهربائية في الدماغ، وتم اعتماد التنبيه العميق للدماغ لمعالجة عدد من الحالات الطبية، مثل: خلل التوتر، والصرع، والرُّعاش الأساسي، واضطراب الوسواس القهري، بالإضافة إلى مرض باركنسون.

تجربة الجهاز على البشر

وعن موعد إجراء تجارب سريرية لاختبار الجهاز على البشر، قال “قازي”: إنه قد يتم، لكن في المستقبل البعيد؛ لأننا لم نُنجز بعدُ الإصدار المصغر من الجهاز الذي سيكون مريحًا لدماغ الإنسان، ومع التقدم في تقنيات صناعة البطاريات، ومعالجات الـSOC، (اختصار لكلمة System on chip، أو وضع نظام كامل في رقاقة واحدة، وهذا يعني أن الهاتف بكل خصائصه وقوته موجود في رقاقة لا يتعدى طولها سنتيمترين)، وعبوات الأدوية المتوافقة حيويًّا، وتكنولوجيا النانو، نعتقد أن مثل هذا التكامل بين التطورات يمكن أن يجعل ذلك ممكنًا في مرحلةٍ ما، وعندها، يمكن أن يبدأ البشر في التحكم في الأجهزة المغروسة بداخلهم عبر هواتفهم الذكية، وإطلاق جرعات الأدوية بشكل منتظم لعلاج أمراض، منها السكري، أو تحفيز منطقة معينة في الدماغ لمنحهم جرعةً من هرمون “الدوبامين”، الذي يساعد في تحسين الحالة المزاجية.

وأشار “قازي” إلى أن الفريق يعمل حاليًّا على مشروع آخر، يستخدم أجهزةً مماثلة، وذلك في محاولة لتحقيق سيطرة واسعة النطاق على حيوانات التجارب عن بُعد، كما يعمل أيضًا على إصدار نسخة كاملة من الجهاز، بحيث تكون أكثر ميلًا؛ لاستخدامها في التجارب السريرية على البشر في المستقبل.

أما “قبيسي” فيرى أن هذه التقنية هي الحل للبشرية في المستقبل، بعد إجراء دراسات معمقة على الحيوانات، يعقبها تجارب سريرية لرصد تأثيرات مكوث هذه الشريحة في الدماغ لفترات طويلة، ورغم تأكيد فريق البحث على أن هذه التقنية لا تزال بعيدة التطبيق على البشر، اعتبر “قبيسي” أنها ستتحقق يومًا ما؛ إذ لم نكن نتخيل قبل 15 عامًا أن يتمكن الهاتف المحمول الذي كنا نستخدمه في إجراء المكالمات وإرسال وتلقِّي الرسائل النصية فقط، أن يشهد ثورة تكنولوجية هائلة، تمكّننا من الولوج إلى شبكة الإنترنت، والتحكم في جميع محتويات أجهزتنا المنزلية بكبسة زر، فيما يُعرف بالمنازل الذكية “SMART Home”.

عن mhmad mahmoud

شاهد أيضاً

اسباب ارتعاش اليدين عند الغضب

يشعر الكثير من الاشخاص العصبيين ، من ارتعاش اليدين عند الغضب قليلاً ، وهناك ارتعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *